اسماعيل بن محمد القونوي

457

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

التشبيه حال الجبال بحال السحاب في تخلخل الأجزاء وانتفائها كما في قوله تعالى : وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ [ القارعة : 5 ] وهذا أيضا مما يقع بعد النفخة الثانية عند حشر الخلق انتهى والأولى عدم الجزم بذلك . قوله : ( مصدر مؤكد لنفسه وهو مضمون الجملة المتقدمة كقوله وَعَدَ اللَّهُ [ النساء : 95 ] ) أي أكد مضمون جملة لا يحتمل غيره نحوله علي ألف درهم اعترافا والعامل فيه محذوف وجوبا لقيام الجملة المؤكدة مقامه كما بين في موضعه والمعنى صنع اللّه ذلك التسيير والنفخ في الصور وما يترتب عليه بأسره صنعا أي فعله فعلا تاما مشتملا على حكم كثيرة ومنافع عظيمة والتعبير بالصنع للتنبيه على ذلك والإضافة إلى الاسم الجليل لتربية المهابة وتزييد المهابة وصفه بالذي اتقن كل شيء أي احكمه وسواه على ما يقتضيه حاله كقوله أعطى كل شيء خلقه صورته وشكله الذي يطابق كماله الممكن له والمص عدل عما في الكشاف من قوله صنع اللّه مؤكد محذوف وهو الناصب ليوم ينفخ والمعنى ويوم ينفخ في الصور فكان كيت وكيت أثاب اللّه المحسنين وعاقب المجرمين ثم قال صنع اللّه يريد به الإثابة والمعاقبة وجعل هذا الصنع من جملة الأشياء التي أتقنها ولم يرض به المص لما مر من أن الجملة المتقدمة قائمة مقام العامل المحذوف فلا يكون حذفها جائزا وأيضا المشهور كونه مؤكدا للجملة المتقدمة وهنا يصح أن يكون مؤكدا للجملة المتقدمة فلا وجه لاعتبار جملة محذوفة وإن سلم أنها كالمذكور لقيام الدليل عليه ولا شك أن تسيير الجبال لا سيما إذا كان المراد التسيير في جو الهواء وبعد تفتت الأجزاء من الصنع المتقن وذكر الحسنة بعده لأنه شروع في بيان أحوال المكلفين بعد ذكر علامات القيامة . قوله : ( احكم خلقه وسواه على ما ينبغي ) أي سوى خلقه بأن جعل له ما به يتأتى قوله : مصدر مؤكد لنفسه أي قوله صنع اللّه مصدر منصوب من المصادر المؤكدة كقوله : وَعَدَ اللَّهُ [ النساء : 95 ] و صِبْغَةَ اللَّهِ [ البقرة : 138 ] إلا أن ما أكده هذا المصدر وهو الفعل الناصب ليوم ينفخ محذوف والمعنى يوم ينفخ في الصور جازى اللّه عباده مجازاته فعبر عن المجازاة بالصنع فقيل صنع اللّه بدل مجازاة اللّه تعبيرا بالعام عن الخاص وجعل هذا الصنع من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على الحكمة والصواب حيث قال صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ قوله وهو لمضمون الجملة المقدمة أي هو مصدر لما تضمنه الجملة المتقدمة من الفعل الناصب ليوم مثل جازى أو أثاب وعاقب فيكون مفعولا مطلقا من غير لفظ فعله كقعدت جلوسا غير أن المصدر في الآية أعم من مصدر ناصبه لكن لصحة حمله عليه جعلا كالمرادفين فصح بهذا الاعتبار أن يؤكد هو به والمصدر في المثال المضروب مرادف لمصدر ناصبه بلا تأويل ويجوز أن يقدر عامله الذي نصب يوم لفظ صنع أي يوم ينفخ في الصور صنع اللّه بهم صنعه الذي اتقنه على مقتضى حكمته وكأنه رحمه اللّه أراد بقوله لنفسه هذا الوجه فيكون ردا على صاحب الكشاف حيث قدر الناصب أثاب وعاقب .